ابن كثير

13

البداية والنهاية

مالا يعيش به ( 1 ) . واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى ، أي يعطى المال لمن هو عادمه . ومن قال إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم ، أو النفيس القليل النظير ، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له به علم ، فإن مثل هذا لا يمدح به غالبا ، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم . وتقري الضيف - أي تكرمه في تقديم قراه ، وإحسان مأواه . وتعين على نوائب الحق ويروى الخير ، أي إذا وقعت نائبة لاحد في خير أعنت فيها ، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش ، وقوله : ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل . وكان شيخا كبيرا قد عمي . وقد قدمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله . وأنه كان ممن تنصر في الجاهلية ففارقهم وارتحل إلى الشام ، هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث ، وعبيد الله بن جحش فتنصروا كلهم ، لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق ، إلا زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا . فأبت فطرته الدخول فيه أيضا ، وبشروه الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه ، فرجع يتطلب ذلك ، واستمر على فطرته وتوحيده . لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية ( 2 ) . وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسمها في رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له ، وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات ، ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت به إليه فوقفت به عليه . وقالت : ابن عم اسمع من ابن أخيك ، فلما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى قال ورقة : سبوح سبوح ( 3 ) ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى ، ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى ، لأنه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى عليهما السلام ، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء . كما قال : ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) [ آل عمران : 50 ] . وقول ورقة هذا كما قالت الجن : ( يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق إلى طريق مستقيم ) [ الأحقاف : 30 ] . ثم قال ورقة : يا ليتني فيها جذعا . أي يا ليتني أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح ، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعني حتى أخرج معك وأنصرك ؟ فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو مخرجي هم ؟ " قال السهيلي وإنما قال ذلك ، لان فراق الوطن شديد على النفوس ، فقال : نعم ! إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ،

--> ( 1 ) قال التيمي في شرح الكرماني : لم يصب الخطابي إذ حكم على اللفظة الصحيحة بالخطأ فإن الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ورواه الرواة . 1 / 37 . ( 2 ) تقدم أن زيد بن عمرو بن نفيل قد عادت عليه لخم فقتلوه وكان ذلك قبل المبعث . راجع سيرة ابن هشام 1 / 244 وما بعدها . ( 3 ) في سيرة ابن هشام : قدوس قدوس ، أي طاهر طاهر .